من طرف: عمر الفزكاري

في سن العشرين

لقد كان خطأ جسيماً الخوضُ في معركةٍ خاسرةٍ، وفي حربٍ وضعت أوزارها منذُ حين. لست أدري لماذا، ولا كيف، ولا متى تَأَصَّلَتْ هذه الأعطاب. لقد كان الأمر أشبه بجعل الإنسان جِذْعَ نخلٍ خاوٍ: حيث أَدرَكْتُ كل شيء، وهذا جعلني أُدْرِكُ لا شيء. وبمجرد أن عَرِفتُ ذلك، لم يكُن بمقدوري الهروب، وحتى لو عرِفتُ مم أهرب، ولم أهرب، وإلامَ أهرب. لقد كان الأمر أشبه بمريض طريح الفراش: حي بيولوجيا، ولكن ميت إكلينيكيا. أو كمريض طريح الأدوية، أو مريض الذِّهان العقلي. كلها جثت تتنفس، ولكن قَضَتِ النَّحْبَ من سقمٍ أو إدراكٍ أو اضطرابٍ. لقد كان الأمر أشبه بأسير حربٍ يتمعن في ثوبه المُدَنَّسَ تربةً ودمًا، يتفحص جُروحَه النازفة غزيراً. وفي اللحظة التي أَدْرَكَ فيها سُوءَ وتَرَدِّي الوضع، في تلك اللحظة بالذات، عندها فقط أيقن أنهُ على شَفا حُفرة من قبر، وحتى لو نجا، فإنه مواجهٌ قبضةَ العدوِّ لا مَحالة. في تلك اللحظة بالضبط، أدركَ عجزه. وبقدر غزارة جروحه ودمائها، يترسخ الإدراك الممزوج بالعجز. وهذا أمر مؤلم، مؤلم جِدَّ الألم. نحن لا نتعلم بالآلام، ولا نتطور بالآلام، بل نقضي نَحْباً بها، وننطفئ بها، حتى لوْ كُنتَ تظنُّ أن الألم درجات. في سن العشرين، كان صعبا أن أُدْرِكَ هذا، وكان قاسياً أن أخْسرَ كلّ السلاح. في سن العشرين، كان خوضُ معركةٍ خاسرةٍ خطأً لا يغتفر، وسَتُدفع لقاءَهُ الحياة. في سنِّ العشرين، كان لي من الإدراكِ ما يُؤسَفُ لهُ، وما يُرثى لهُ، أَنْ بأيٍّ ذنب قُتِلتُ، وبأيِّ وِزْرٍ كُنتُ مَحَطَّ الشكوكِ، ولأيّ عِلّةٍ حُرِّقْتُ وعُذِّبْتُ، وبأيِّ خَطيئَةٍ نُحِرتُ اثنتانِ. في سن العشرين، كان الأمر أشبَه بمَن عاشَ مائة عامٍ. إن الحياة حربٌ ذات غَمرٍ عوِيصٍ ودامٍ، ولا جَرم أنَّنِي من خاسريها. وحتى لو كان شرفُ المحاولة بِضعاً من حربٍ، فإن ذلك لا يعني شيئا على الإطلاقِ بعد الآن. في سن العشرين، ذلك لَم يعُد ألماً، بل أصبح الموتَ بعَيْنِهِ. في سنِّ العِشرين، قَضَى الفَتَى.

Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *